الصفحة الرئيسية  ثقافة

ثقافة صراع الأضداد الكونية وأنطولوجيا الجسد في العرض الكوريغرافي "عرق" لعبد القادر الدريحلي

نشر في  13 جوان 2026  (14:29)

​احتضن مسرح الجهات بمدينة الثقافة "الشاذلي القليبي"، مساء الجمعة 12 جوان 2026، العرض الكوريغرافي الأول "Sweat - عرق"، إنتاج مسرح أوبرا تونس 2025.

شهد العرض حضورا جماهيريا محترما من عشاق الفن الركحي والمهتمين بالخطابات الكوريغرافية المعاصرة، الذين واكبوا ولادة تجربة فنية مغايرة تبحث في أبعاد الوجود الإنساني.

​لم يكن اختيار عنوان العمل اعتباطيا، فكلمة "عرق" تحيل مباشرة إلى الجهد الإنساني المضني والتعب، والإرهاق الناجم عن السعي الحثيث نحو تحقيق الحلم. هذا التدفق الحيوي للألم والمثابرة ترجم على الركح عبر مسار كوريغرافي تجريبي، صاغه ببراعة الكوريغرافي والمخرج الفني عبد القادر الدريحلي، محاولا خلق فضاء تتقاطع فيه الأخيلة، في رحلة سافرت بالجمهور إلى أعماق عوالم ذاتية وخاصة، لتجسّد مجتمعا إثنيا يبتعد برؤيته الفلسفية عن كليشيهات الواقعية الفجّة. وبمساعدة الفنان حسام بوعكروشة (مساعد كوريغراف)، تمكن العمل من ضبط التناسق الحركي بدقة متناهية ومتابعة التفاصيل الأدائية الجسدية على الركح.

​تناول العرض خمسة عوالم مختلفة ومستقلة، فلكل منا عالمه الخاص وحلمه الذاتي الذي قد يبدو أحيانا مغتربا عن الواقع المعيش. ومن خلال حركية مدروسة، حاولت الشخصيات الخمس الالتقاء في نقطة مشتركة تجمع شتات هذه الأحلام، شخصيات جسدها باقتدار كل من الراقصين: نسرين بن عربية، مريم الوسلاتي، أحمد الخميري، عدلي غيلاني، أسامة شوشان، ومحمد ضياء الغربي.
​غاص العمل في أسئلة وجودية حارقة، مؤرخا لكيفية تحول الجسد إلى وسيلة أساسية لاكتشاف العالم والآخر، رغم بقاء قدرته محدودة في إدراك الحقيقة المطلقة.

ومن هذا المنطلق التفكيكي، سعى "الدريحلي" إلى إكساب الأجساد طاقة إضافية تمكنها من اختراق المألوف، وتجاوز محدوديتها الفيزيائية المعتادة لاكتشاف "العالم الآخر".



​يقوم العمل في جوهره على فلسفة الأضداد ... الجسد في مواجهة الروح، الحقيقة في صراع مع الخيال، والوجود في توازيه مع العالم الآخر. هذه الثنائيات لم تقتصر على الأداء الحركي للراقصين فحسب، بل انسحبت على التصميم الموسيقي والصوتي الذي وقعه المؤلف الموسيقي كريم الثليبي،حيث بنى رؤيته الصوتية على إيقاعات متضادة تمتد من الموروث الشعبي التونسي إلى البناء الأوركسترالي، وصولا إلى الموسيقى العالمية المعاصرة، لتصبح الهندسة الصوتية ركيزة دراماتورجية موازية للحركة وجزءا لا يتجزأ من سينوغرافيا العرض.

​تجلى هذا الصراع السمعي في حوارات حادة قادها الطبل ضد الأوركسترا، والقصبة ضد العود والبيانو، بالإضافة إلى مواجهة الأصوات البشرية الحيّة للمؤثرات الإلكترونية، مما خلق حالة من التوتر الدرامي على خشبة المسرح، تماهت معها إضاءة الفنان أمين شورابي، الذي تولى تشكيل الفضاء البصري بدقة، راسما حدود الظل والنور لتأطير هذا الصراع الوجودي للشخصيات.



​يعد "عرق" دعوة مفتوحة لإعادة التفكير في الوجود الإنساني وقيمه، ومنظومته الأخلاقية، عبر سبر أغوار النفس البشرية وتفكيك آليات تفكيرها، مستندا إلى البعد الروحي للفن باعتباره فضاء للتأمل والبحث الدائم عن المعنى.

​جاء هذا العرض تجسيد حي لتدفق الطاقة والمشاعر، حيث التقت فيه أجساد الراقصين برؤية الدريحلي وبصوت الثليبي في حوار متجدد وملهم، لتغزل معا عوالمها الخاصة المتأرجحة بين الواقع والخيال.


​سناء الماجري